الغزالي
132
إحياء علوم الدين
وقال ابن سيرين رحمه الله . ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا ، لأنه إن كان من أهل الجنة ، فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة ؟ وإن كان من أهل النار ، فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار ! وقال رجل للحسن ، هل يحسد المؤمن ؟ قال ما أنساك بني يعقوب ، نعم ، ولكن غمه في صدرك ، فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولا لسانا ، وقال أبو الدرداء ، ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قلّ فرحه ، وقل حسده ، وقال معاوية ، كل الناس أقدر على رضاه ، إلا حاسد نعمة ، فإنه لا يرضيه إلا زوالها ، ولذلك قيل كل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد وقال بعض الحكماء : الحسد جرح لا يبرأ ، وحسد الحسود ما يلقى . وقال أعرابي : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ، إنه يرى النعمة عليك نقمة عليه . وقال الحسن يا ابن آدم ، لم تحسد أخاك ؟ فإن كان الذي أعطاه لكرامته عليه ، فلم تحسد من أكرمه الله ؟ وإن كان غير ذلك ، فلم تحسد من مصيره إلى النار ؟ وقال بعضهم ، الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا . ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا . ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما . ولا ينال عند النزع إلا شدة وهو لا . ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة . فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة ، فلك فيها حالتان إحداهما : أن تكره تلك النعمة ، وتحب زوالها ، وهذه الحالة تسمى حسدا . فالحسد حده كراهة النعمة ، وحب زوالها عن المنعم عليه الحالة الثانية : أن لا تحب زوالها ، ولا تكره وجودها ودوامها ، ولكن تشتهي لنفسك مثلها . وهذه تسمى غبطة . وقد تختص باسم المنافسة . وقد تسمى المنافسة حسدا ، والحسد منافسة ، ويوضع أحد اللفظين موضع الآخر ، ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ المؤمن يغبط والمنافق يحسد »